محمد متولي الشعراوي

5853

تفسير الشعراوى

وتعالى عنهم - وهم في مثل هذه الحالة : دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وهذا يعنى أنهم لم يدعوه فقط ، بل دعوه بإخلاص وأقروا بوحدانيته ، وألّا شريك له أبدا ؛ لأنهم يعلمون أن مثل هذا الشريك لن ينفعهم أبدا . ثم يجئ الحق سبحانه بصيغة دعائهم : لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ فهل وفّوا بالعهد ؟ لا ؛ لأن الحق سبحانه يقول بعد ذلك : فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وبعد أن أنجاهم الحق سبحانه مباشرة تأتى « إذا » الفجائية لتوضح لنا أنهم لم ينتظروا إلى أن يستردوا أنفاسهم ، أو تمر فترة زمنية بينهم وبين الدعاء ، وتحقق نتيجة الضراعة ، لا ، بل بغوا « 1 » - على الفور - في الأرض فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ . والبغى : هو تجاوز الحدّ في الظلم وهو إفساد ؛ لأن الإنسان إذا ما أخرج أي شئ عن صلاحه ، يقال : « بغى عليه » ، فإن حفرت طريقا ممهّدا ؛ فهذا إفساد ، وإن ألقيت بنفاية « 2 » في بئر يشرب منه الناس ؛ فهذا إفساد وبغى ، وأي شئ قائم على الصلاح فتخرجه عن مهمته وتطرأ عليه بما يفسده ؛ فهذا بغى .

--> ( 1 ) البغى : الظلم والفساد والكبر والاستطالة على الناس والإيذاء والجور وأصل البغى : مجاوزة الحدّ . قال تعالى : وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ . . ( 27 ) [ الشورى ] . وقال : فَإِنْ بَغَتْ إِحْداهُما عَلَى الْأُخْرى فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي . . ( 9 ) [ الحجرات ] . [ اللسان : مادة ( بغى ) - بتصرف ] . ( 2 ) نفاية الشئ : بقيته وأردؤه . والنفاية : ما نفيته من الشئ لردائته . والمراد بالنفاية هنا : الفضلات وكل ما من شأنه تلويث الشئ وإفساده . [ اللسان : مادة ( نفى ) . بتصرف ] .